الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
406
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
أما الذين يعتقدون بأن الإرث هنا هو الإرث المعنوي ، فقد تمسكوا بقرائن في نفس الآية ، أو خارجة عنها ، مثل : 1 - يبدو من البعيد أن نبيا كبيرا كزكريا ، وفي ذلك السن الكبير ، يمكن أن تشغل فكره مسألة ميراث ثروته ، خاصة وأنه يضيف بعد جملة يرثني ويرث من آل يعقوب جملة واجعله رب رضيا ، ولا شك أن هذه الجملة إشارة إلى الصفات المعنوية لذلك الوارث . 2 - إن الله سبحانه لما بشره بولادة يحيى في الآيات القادمة ، فإنه ذكر صفات ومقامات معنوية عظيمة ، ومن جملتها مقام النبوة . 3 - إن الآية ( 38 ) من سورة آل عمران بينت السبب الذي دفع زكريا إلى هذا الطلب والدعاء ، وأنه فكر في ذلك عندما شاهد مقامات مريم حيث كان يأتيها رزقها من طعام الجنة في محرابها بلطف الله : هنا لك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طبية إنك سميع الدعاء . 4 - ورد في بعض الأحاديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما يؤيد أن الإرث هنا يراد به الإرث المعنوي ، وخلاصة الحديث أن الإمام الصادق ( عليه السلام ) روى عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إن عيسى بن مريم مر على قبر كان صاحبه يعذب ، ومر عليه في العام الثاني فرأى صاحب ذلك القبر لا يعذب ، فسأله ربه عن ذلك ، فأوحى الله إليه أنه لصاحب هذا القبر ولد صالح قد أصلح طريقا وآوى يتيما ، فغفر الله له بعمل ولده . ثم قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ميراث الله من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده " ، ثم تلا الإمام الصادق عند نقله هذا الحديث الآية المرتبطة بزكريا : هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ( 1 ) . فإن قيل : إن ظاهر كلمة الإرث هو إرث الأموال . فيقال في الجواب : إن هذا الظهور ليس قطعيا ، لأن هذه الكلمة قد استعملت
--> 1 - نور الثقلين ، الجزء 3 ، ص 323 و 324 .